محمد حسين علي الصغير
85
تاريخ القرآن
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ . . . - 128 « 1 » وغيرها وغيرها « 2 » . فلا يصح حينئذ عدّ آيات القرآن في أماكنها من السور ، ولا السور من المصحف توقيفيا ، وإنما هو باجتهاد من الصحابة ، كما تدل عليه تضافر روايات الجمع في ذلك ، وإذا قلنا بتوقيف الآيات في السور ، والسور من المصحف ، فلا بدّ أن نقول إن القرآن قد جمع على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو ما نميل إليه ونرجحه في ضوء ما تقدم . قال البيهقي : وأحسن ما يحتج به أن يقال : إن هذا التأليف لكتاب اللّه مأخوذ من جهة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأخذه عن جبرائيل عليه السّلام « 3 » . وهناك ثلاثة مواقف تجلب الانتباه عند جملة من أرباب علوم القرآن ، فهي تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، فلا تريد أن تقول إن القرآن لم يجمع بعهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولا تريد أن تقول إن أبا بكر قد جمع القرآن سابقا إلى الموضوع . الأول : عملية الاستنساخ التي صرح بها أبو عبد اللّه الحارث بن أسد المحاسبي ( ت : 243 ه ) بقوله : « كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب ، وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان ، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيها القرآن منتشر ، فجمعها جامع ، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء » « 4 » . الثاني : ما ورد في المقدمة الأولى في علوم القرآن بإجمال على شكل فتوى تارة ، وتحذير تارة أخرى ، في قوله : « ومن زعم أن بعض القرآن سقط على المسلمين وقت جمع المصحف ، وأن السور ضم بعضها إلى بعض بالمشورة والرأي فقد أعظم على اللّه الفرية ، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يملي كلما نزل من القرآن على كتابه أولا بأول ، ميلا إلى حفظه
--> ( 1 ) التوبة : 128 . ( 2 ) ابن أبي داود ، المصاحف : 31 . ( 3 ) السيوطي ، الاتقان : 1 / 309 . ( 4 ) الزركشي ، البرهان : 1 / 238 .